-->

في بعض الأحيان يجب أن نقول " لا " لكننا قلنا نعم | كيف تتخلص من هذه العادة السيئة




" لنا أن نقول ببساطة بأن الـلا  " ليست كلمةً دافئة، فهي كلمةٌ ثقيلة على ألستنا، ويُعاز هذا بصورةٍ كبيرة إلى أننا نتصوّر كيف سيتلقّاها الآخر ، وقطعاً لن يكون هذا بأكتفٍّ مفتوحة "


إنّ القوة التي تمدّنا بها الـلا تشدّد على حقيقةً صعبةً تفرضها متطلّبات الحياة: مسؤولياتي هي مسؤولياتي وليست مسؤوليات أحدٍ آخر

  • الـلا هي لحظةٌ فارقةٌ. فأنت تعلن ، مهما كان ذلك بصورةٍ غير مباشرة، شيئاً إيجابياً عن نفسك: «لن أقّع» - لأن هذا لا يلائمني. «لن أنضم إلى لجنتك، أو أعينك على أطفالك، أو أراجع مشروعك» - لأن لدي مشاريعي الخاصة، وهي أهمّ عندي من احتياجاتك. «لستُ معك» - لأنني لست مرتاحًا، أو لا أوافقك، أو لا أجد في نفسي أن أؤيّدك. «لا، شكراً» لأن الأولوية لاحتياجاتي حتى لو كان رفضي لك يؤذيك ، ببساطة لا أريد .
  • جميعنا نمرّ بتلك اللحظة التي تودّ فيها أن تقول: «إياك أن تتصل بي مجدّدا»، وتكون، إذ تقول هذه الكلمات، تعنيها من أعماق ذاتك، عندما تردّ تلك الهدية اللطيفة لأنك أكرهت نفسك على أن تقرّ بأنها دينٌ اجتماعيٌّ بقيودٍ غير مرئية فُرضَت عليك مكرهًا، أو عندما تعتذر من صديقٍ أتاك طالبًا يد العون، أو عندما يطلب منك زميلك نصيحةً سريعة وليس عندك ما تقوله له، أو حتى تخيّب توقعات ابنك المراهق الذي يريد العشاء مخلوقاً أمامه في ظرف ثوان. وكلّ هذا لأنك تسعى لتحقيق أهدافك وترفض من أيّ شيءٍ أن يشتّت تركيزك عنها. وكلّ هذه اللحظات، تافهها والموجع منها، هو تمرينٌ على قوةٍ يعيب كثيرنا الافتقار لفهمها، وهي سلطة الـلا.

  • تتلقّف الآذان الكثير من الكلام الذي يُقال عن قوة الـنعم. فـ "نعم" تختزلُ مقاربةً شجاعة ومنفتحة لا تهاب المخاطر للحياة، وهو أمرٌ ليس لأحدٍ أن ينكرُ أو يقلّل من جماليته، ولكن الـلا هي ذاك القفل المستطاب الذي يقف سدّاً منيعاً بين الإنسان وتأثير الآخرين عليه، وقلما من تجد من يحتفي بهذا. فهي قوةٌ مخفية، لأن المرور عليها دون الإحاطةَ بها هو أمرٌ يسهل حدوثه، كما أنها سيفٌ نستثقل إخراجه من غمده.
  • معظمنا لا يدرك بدفق القوة الذي نستلهمه من الـلا، ومردّ هذا، بصورةٍ جزئية، هو أن الكثيرون يخلطون بينها وبين السلبية، فكلاهما ينطوي على أن تردّ ظهرك للآخر، أو أن تهزّ برأسك رفضًا، أو أن يرى منك إحجامًا راسخًا. ولكن في النهاية، فإن كلًّا منهما، الـلا والسلبية، يرتكزان على حالةٍ نفسية مختلفة.


" الـلا هي درعٌ حياتي يحميك من وجه هؤلاء المستغلين الذين يأتونك بوجهٍ بشوش وابتسامةٍ لطيفة ليختلسوا ثمرة عملك. وليدركوا بأن حتى الأناس اللُطفاء يستطيعون أن يقولوا لا "

" الـلا هي درعٌ حياتي يحميك من وجه هؤلاء المستغلين الذين يأتونك بوجهٍ بشوش وابتسامةٍ لطيفة ليختلسوا ثمرة عملك. وليدركوا بأن حتى الأناس اللُطفاء يستطيعون أن يقولوا لا "

الـلا.. هل هي طعنةٌ في الصدر؟
  • مهما كانت دواعيها عقلانية «لا أستطيع إعارتك سيارتي، لأن السيارة مؤمّنةٌ فقط إذا كنت أنا السائق» أو كنت حذقًا في التعبير برفضك «كيف لي أن أردّ أشهى كعكةٍ في التاريخ، لكن للأسف دكتوري طلب مني الالتزام بحميةٍ غذائية معيّنة»، أو حتى إن أعلنتها صراحةً «شكرًا على عرضك، ولكن لدي التزاماتي نهاية هذا الأسبوع» فسيتلقّى الآخر كلمة اللا وستكون طعنةً في صدره. وربما تتلمّس فطرتنا هذا الانحياز في دماغنا، هذه الحساسية المفرِطة لكلمة الـلا، ولهذا السبب تحديداً قد نفكّر عديد المرات قبل أن نكون سبباً في إشعال شرارة هذا التفاعل عند الآخر. وربما أيضاً قد يتردّد بعضنا في التصريح بالرفض، سواءً أكان يدرك انحياز الدماغ للسلبية أم لا، للتأثير السلبي الذي قد يتسبّب به الرفض علىالعلاقة الاجتماعية. فالـلا ليست، بصورةٍ عامة، طريقةً ناجعةً لكسب الأصدقاء. وطبعًا، لسنا جميعًا على مستوىً واحدٍ من الضعف، فبعضنا لا يستطيع أن يحتمل فكرة أنه كان سبباً في إحباط الآخر. واجتماعيًا، نشير لهؤلاء الناس بأنهم "مسعِدون" (Pleasers). وغالبًا، تستطيع تمييز مدى تجسّد هذه السمة فيك.


  • الـلا التي تشدّد على أهمية الذات هي "لا" تسلّم بمسؤولياتك الشخصية. فهي تخبرنا بأن ليس لنا ولن نسمح بأن يكون الآخر عاملاً يؤثّر علينا دائماً، دون أن ننكر بكل تأكيد بأننا نتفاعل مع الآخر، ونحبّه، ونثمّن هذه العلاقة ونحترمها. إنّ القوة التي تمدّنا بها الـلا تشدّد على حقيقة صعبة تفرضها متطلّبات الحياة: مسؤولياتي هي مسؤولياتي وليست مسؤوليات أحدٍ آخر.
  • الـلا هي الأداة والحاجز التي نرسّخ بها حدود الذات ونصونها. تقول الـلا أن «هذا هو أنا، وهذا ما أقدّره، وهذا ما سأقوم به، وهذا ما سأمتنع عن القيام به، وهذا هو المنحى الذي ارتأيته لنفسي» نحن نحب الآخرين، ونعطيهم، ونتعاون معهم، ونسعى لإسعادهم، ولكننا، دائمًا وفي جوهرنا، ذواتٌ مستقلة ومنفصلة. نحتاج الـلا لكي نصون هذه المساحة ونرعاها.
  •  تُرسي الـلا في ذواتنا أننا من يرسم حدودنا الشخصية، فمعظمنا يستشعر ثقلَ صياغة كينونةٍ نكون فيها مسؤولين ومتحكّمين بأنفسنا بصورةٍ كلية، مدركين النضج والوحدانية والقوة التي تنطوي عليها هذه الصورة. حيث نقارب هذه الصورة خطوتين إلى الأمام وخطوةً كبيرةً للوراء مذعنين أحيانًا تحت سيف الحب، وأحياناً تحت سلطة الخوف، وأحياناً تقهرنا رغبتانا بين خمس دقائق أخرى وبين شراء ذاك الغرض دونما ضرورة حقيقية. كلما اقتربنا من إقامة سور الحدود التي نفرضها نحن، أصبحنا أقوى. وهذه القوة تتطلّب سلطة الـلا.




  • المشكلة هي استجماع الجرأة في ذواتنا على الإقدام على هذه الخطوة، والوصول إلى هذه القوة يشترط منك أن تتغلّب على عائقٍ كبير: ثمن التصريح بلا تصريح. لنا أن نقول ببساطة بأن الـلا ليست كلمةً دافئة، فهي كلمةٌ ثقيلة على ألستنا، ويُعاز هذا بصورةٍ كبيرة إلى أننا نتصوّر كيف سيتلقّاها الآخر - وقطعاً لن يكون هذا بأكفٍّ مفتوحة. ويدعم علم العصبيات هذا الحدس التشاؤمي الذي يختلج صدورنا، فوقع "لا" سيكون أقسى مما نريده. بُرمج العقل البشري على أن يستجيب للـلا بسرعةٍ أعلى، وبحدّةٍ وإصرارٍ أكبر من استجابته لإشارةٍ إيجابية. الـلا أقوى من النَعَم.





جد صوتك :

حسنًا، جميعنا نقرّ بأن الـلا يتبعها الكثير من الأعباء، ولكن الكرامة والاستقلالية التي تمنحك إياها لا تقدّر بثمن. الخيارات واضحةٌ أمامك على الطاولة: قوّ قدرتك على أن تقول لا، وفي نفس الوقت قلّص ظلالها على علاقتك. وهناك عددٌ من الإستراتيجيات التي تساعدك على الوصول إلى هذا التوازن.
  

استبدل النَعَم التلقائية بـ «دعني أفكّر» : 
  • إن لم تكن ممن استخدموا هذه التقنية كثيراً، فستذهلك النتائج. «دعني أفكّر» ستجعلك المسيطر، وهي مقدّمةٌ تخفّف وطأة الرفض، وتقتضي بأنك بالفعل تقوم بموازنة عوامل مهمة، والأهم من هذا وذاك، فهي تعطيك الفرصة لتفكّر بالأمور على النحو الصحيح. فالـلا التي تقومُ على قرارٍ واعٍ هي درعٌ أمتن من الـلا المنبثقة من دوافع عاطفية.

نعّم لغتك :
  • حاول مثلًا: «أنا لست مرتاحًا مع هذا.» أو «أفضّل ألا أفعل.» أو «أنا أميل إلى ...» وهناك أيضًا: «فلنتفق على ألا نتفق» أو ربما «حسناً، هذه خطةٌ مثيرةٌ للاهتمام/لطيفة/ جيدة. ولكنني لن أكون قادراً على أن...» الجملة الأخيرة هي أحدُ التعبيرات المسمّاة بإستراتيجية أوريو للتواصل، بحيث تقول شيئًا إيجابيًا «أنت إنسانٌ دافئ وجميل»، ومن ثم يأتي دور الحشوة، الرسالة التي تريد إيصالها، «لا أظن أن هناك مستقبلًا رومانسيًا لنا معًا» ومن ثم ألحق ما قلته ببسكوتةٍ أخرى «لقد استمتعت كثيراً بما قضيناه معًا من وقت. كنت دائمًا تجعلني أضحك». وإياك أن تخطئ الظن، فأنت، في النهاية، قد قمت بالفعل بالتصريح برفضٍ واضحٍ وراسخ، وسيعي الآخر ذلك. ولكن ربما تكون وطأة هذه الـلا، الألطف والأحلى، أخفّ من غيرها.




احتوِ مشاعرك :

  • ليس هناك أفضل من أن تقول الـلا بهدوءٍ وصفاءٍ وقورين. (والأمر شائكٌ بالتأكيد، فأنت غالباً ستكون تشعر بكلّ شيء إلّا الصفاء.) ولكن معالم الهدوء على وجهك ستساعدك على تهدئة الاضطراب في جوفك، وأيضاً ستلطّف التأثير السلبي التي تحمله الـلا على دماغ المتلقي. ففي النهاية، يكفي ما تحمله الـلا من خيبة دون الحاجة إلى تسونامي من الغضب والإهانة.


 وضِّح التزاماتك الأخرى :
  • قل "لا" من دون أن تظهر بمظهرِ الأناني أو اللامبالي، وذلك عبر الإشارة إلى التزاماتك للآخرين - «لا شيء يسعدني أكثر من أن أساعدك، ولكنني أعطيت كلمةً لأساعد أمي/زميلي/ أحد طلابي. ويصعب علي أن أخذلها الآن.»


أدرك أنك تمثّل أُناسًا آخرين :

  • يقول آدم غرانت بأن المرء قد يكون أكثرَ تمكناً خلال مفاوضاته مع الآخر إذا ما أدرك، أو تخيل، أنه يفاوض قيمة راتبه نيابةً عن عائلته، أو أنه في مفاوضات مبيعات بالنيابة عن شركته. فحينما يكون هناك مصالح أخرى ستتضرّر بجانب مصالحك، فستجد أنه من الأسهل عليك أن تقول لا لعرضٍ لم ينَل رضاك.


تمرّن :

  • ستجد فائدةً جمةً في التمرن بشكلٍ خاصٍ وواعٍ عند تعرضك للمواقف المستمرة -ربّ عملٍ متطلّب، فرد عائلةٍ لحوح لا يتوارى عن المطالبة بشيءٍ بعد الآخر، رفيق حياةٍ يهري أذنيك حتى توافق. بإمكانك مثلًا أن تصيغ رفضًا واضحًا لا يسيء للآخر، وتستمر في تكراره بصرف النظر عما يقوله الطرف الآخر. «لا أستطيع أن أتولّى مشروعًا آخر، سيدي، لأن وقتي ممتلئٌ تمامًا. لا أستطيع أن أتولّى مشروعًا آخر، سيدي، لأن وقتي ممتلئٌ تمامًا.» وكرّر هذا، بأدبٍ طبعًا، حتى يعي ربّ عملك نقطتك.
  • تستطيع أيضاً أن تتدّرب على إنهاء محادثاتك «يا حبّ حياتي، من الواضح أننا لا نتفق على هذه النقطة، فدعينا ننهي هذه المحادثة.» وحتى لو استمر في الحديث، ما عليك إلّا أن تلتزم الصمت. وإذا ما تدّربت بالصورة الكافية، فربما تستطيع أن تكون قوياً بما يكفي لتستمع لأي طلبٍ غير ملائم، أو غير مريح، أو مغالٍ، ومن ثم تأخذ نفسًا سريعًا، وتقول كلمةً واحدةً لا تحتاج لأي شرحٍ أو إفاضة: لا.

_______________________________________________________________


جديد قسم : منوعات

التعليقات
0 التعليقات

إرسال تعليق